السيد الطباطبائي
105
تفسير الميزان
الذين جاؤوا بالإفك " الآية وقوله : " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا " الآية ، وقوله : " تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم " الآية ، فمحصل الآيات أنه كان هناك جماعة مرتبط بعضهم ببعض يذيعون الحديث ليفضحوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وكان الناس يتداولونه لسانا عن لسان حتى شاع بينهم ومكثوا على ذلك زمانا وهم لا يراعون حرمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكرامته من الله ، وأين مضمون هذه الروايات من ذلك . اللهم إلا أن تكون الروايات قاصرة في شرحها للقصة . وأما ثانيا : فقد كان مقتضى القصة وظهور براءتها إجراء الحد ولم يجر ، ولا مناص عن هذا الاشكال إلا بالقول بنزول آية القذف بعد قصة الإفك بزمان . والذي ينبغي أن يقال بالنظر إلى إشكال الحد الوارد على الصنفين من الروايات جميعا - كما عرفت - أن آيات الإفك نزلت قبل آية حد القذف ، ولم يشرع بنزول آيات الإفك إلا براءة المقذوف مع عدم قيام الشهادة وتحريم القذف . ولو كان حد القاذف مشروعا قبل حديث الإفك لم يكن هناك مجوز لتأخيره مدة معتدا بها وانتظار الوحي ، ولا نجا منه قاذف منهم ، ولو كان مشروعا مع نزول آيات الإفك لاشير فيها إليه ، ولا أقل باتصال الآيات بآية القذف ، والعارف أساليب الكلام لا يرتاب في أن قوله : " إن الذين جاؤوا بالإفك " الآيات منقطعة عما قبلها . ولو كان على من قذف أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حدان لاشير إلى ذلك في خلال آيات الإفك بما فيها من التشديد واللعن والتهديد بالعذاب على القاذفين . ويتأكد الاشكال على تقدير نزول آية القذف مع نزول آيات الإفك فإن لازمه أن يقع الابتلاء بحكم الحدين فينزل حكم الحد الواحد . وفي الكافي عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله قال : من قال في مؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الذين قال الله عز وجل : " إن الذين يحبون - إلى قوله - والآخرة " . أقول : ورواه القمي في تفسيره عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام عنه عليه السلام